محمد بن علي الشوكاني
4851
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
سبب حديث : " لا وصية لوارث " هو نفي الإيجاب الذي كان ثابتا كما قررناه . فانظر كيف عاد إلى تلك الدعوى المجردة بعد أن سلم عدم دلالة هذا الحديث على ما ذهب إليه ، بل سلم دلالته على دفع ما ذهب إليه وشموله لمحل النزاع ، أعني : وصية صح التبرع . وأما استدلاله على ما ذهب إليه بقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } ( 1 ) فلا يخفاك أن الوصية تشمل الوصية ، والوصية لغير الوارث ، وهذا لا ينكره أحد ، وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " لا وصية لوارث " أخص مطلقا من قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } ، فيبنى العام على الخاص ( 2 ) ويكون ما في الآية الكريمة في قوة : من بعد وصية يوصي بها لغير الوارث أو دين ، كما هو مقتضى بناء العام على الخاص ، وهو متفق [ 2 أ ] ( 3 ) عليه بين أهل الأصول في الجملة ، وإن اختلفوا في تفاصيله وشروطه فذلك لا يقدح في اتفاقهم على وجوب البناء ، والحديث هو متلقى بالقبول ، فيخصص به عموم القرآن عند الجمهور ، بل عند كل من يعتد بقوله من أئمة الأصول ( 4 ) .
--> ( 1 ) [ النساء : 11 ] . ( 2 ) في حاشية المخطوط ما نصه : ولعل التعميم استفيد من توصيف الوصية بقوله : ( يوصي بها ) على نحو ما قبل في قوله تعالى : ( ولا طائر يطير بجناحه ) أن التوصيف ( ب - ) يطير بجناحيه إفادة التعميم . والله أعلم . ( 3 ) انظر " البحر المحيط " ( 3 / 405 ) ، " تيسير التحرير " ( 1 / 361 ) . ( 4 ) قال الزركشي في " البحر المحيط " ( 3 / 362 ) : يجوز تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد فذهب الجمهور إلى جوازه مطلقًا . وذهب بعض الحنابلة إلى المنع مطلقًا . * قال الشوكاني بعد ذكره أدلة المانعين . . . قال ابن السَّمعاني : إن محل الخلاف في أخبار الآحاد لم تجمع الأمة على العمل بها أما ما أجمعوا عليه كقوله : " لا ميراث لقاتل " و " لا وصية لوارث " فيجوز تخصيص العموم به قطعًا ، ويصير ذلك كالتخصيص بالمتواتر لانعقاد الإجماع على حكمها ، ولا يضر عدم انعقاده على روايتها . انظر : " إرشاد الفحول " ( ص 524 ) .